تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين الجغرافيا والإنسان وثقافته في الأندلس، خلال حقبة ملوك الطوائف في القرن الخامس الهجري. وينطلق البحث من مفهوم الجغرافيا الثقافية لتحليل كيف أدى التفتت السياسي، وسقوط المركزية القرطبية إلى إعادة تشكيل المشهد الثقافي للأندلسي، محولاً الأندلس من فضاء أُحادي المركز إلى فضاء متعدد الأقطاب، وتناقش الدراسة أثر التوزيع السكاني والعرقي على الهُوية الثقافية لكل مملكة، وكيف وظّف ملوك الطوائف الثقافة، والعمارة، والأدب باعتبارها أدوات لإضفاء الشرعية على ملكهم، وتعويض الضعف العسكري. كما يرصد البحث ظواهر ثقافية نابعة من هذا التفاعل المكاني، كازدهار الموشحات، باعتباره فنًّا هجينًا، ونشاط حركة الترجمة، والعلوم الدقيقة، وبروز العواصم الجديدة، كإشبيلية، وطليطلة، وغرناطة، وغيرها باعتبارها حواضن للإبداع. وقد اعتمد البحث المنهج التاريخي والتحليلي، مع الاستعانة بالمقاربة الجغرافيا الثقافية؛ لاستقراء النصوص التاريخية، والأدبية، وربط الظواهر الثقافية بسياقاتها المكانية، والسياسية. وخلصت الدراسة إلى أن التمزق الجغرافي السياسي ولّد حالة من التنافسية الثقافية، جعلت ذلك العصر الذهبي للثقافة الأندلسية، رغم ما حمله من بذور الانهيار السياسي.